إعداد : معتصم الحوراني // الأردن
بين يدي البحث
قامت هذه الدراسة على تطبيق أدوات نظريات تحليل الخطاب على قصيدة (مدينة بلا مطر) لبدر شاكر السيّاب ، محاولة رصد نصّية الملفوظ ، وهو أمر انشغلت به نظرية الاتساق ، كما استعانت الدراسة أيضاً بنظرية الانسجام المتّكئة على التأويل وتفعيل دور المتلقّي .
وقد وظفت الدراسة خمسَ أدوات من نظرية الاتّساق ، هي : الإحالات ، والاستبدال ، والحذف ، والوصل ، والاتّساق المعجمي ، كما استثمرت أداتين من نظرية الانسجام هما : البنية الكليّة ، والمعرفة الخلفية .
وخَلُصتْ الدراسة إلى أنّ القصيدة تفتقر لعناصر الاتّساق ، غير أنها حققت قدراً طيباً من الترابط الدلالي ، الذي تحقّق عن طريق التأويل الذي يخدمُ مستوى الانسجام .
الاتساق :
يُراد عادة بالاتساق ذلك التماسك الشديد بين الأجزاء المشكلة لنصّ ما ، وهذا التماسك يتأتّى من خلال وسائل لغويّة تصل بين العناصر المشكلة للنص 1 ، وهذه الوسائل اللغوية تخلق النصيّة ، بحيث تساهم في وحدة النص الشاملة 2 ، وتؤوله لكي يُعدّ نصاً ، فإن انعدمت أو ضعفت افتقر الملفوظ إلى النصّية ، أو ضعفت نصيته ، ومن ثمّ افتقر إلى الاتساق 3 .
* الإحالات : وتتمثل في عودة بعض عناصر الملفوظ إلى عناصر لفظيّة أخرى ، نقدرها داخل النص أو في المقام (خارجه) ، انطلاقاً من تصوّر مفاده : أنّ العناصر المحيلة كيفما كان نوعها لا تكتفي بذاتها من حيث التأويل ، إذ لا بدّ من العودة إلى ما تشير إليه من أجل تأويلها 4 .
وتنقسم الإحالة إلى نوعين رئيسين هما : الإحالة المقامية والإحالة النصّية ، وتتفرع الإحالة النصية إلى إحالة قبلية وإحالة بعدية 5 ، وتتوفر كل لغة طبيعية على عناصر تملك خاصيّة الإحالة ، وهي – حسب هاليداي ورقية حسن – الضمائر وأسماء الإشارة وأدوات المقارنة 6 .
قبل الخوض في الحديث عن عناصر الإحالة التي وردت في القصيدة التي بين أيدينا ، تحسن بنا الإشارة إلى الدور الذي يلعبه نوعا الإحالة الرئيسان في ترابط النص واتساقه ، " فالإحالة المقامية تساهم في خلق النص ، لأنها تربط اللغة بسياق المقام ، إلا أنّها لا تساهم في اتساقه بشكل مباشر ، بينما تقوم الإحالة النصية بدور فعّال في اتساق النص 7 .
سبق وذكرنا أن العناصر التي تملك خاصيّة الإحالة تضمّ الضمائر وأسماء الإشارة وأدوات المقارنة ، وسنعرضها بشكل موجز ، ثمّ سنعمد إلى رصد حضورها داخل النص .
الضمائر : إذا نظرنا إلى الضمائر من زاوية الاتساق أمكن التمييز فيها بين أدوار الكلام والأدوار الأخرى 8 ، أما أدوار الكلام فتندرج تحتها جميع الضمائر الدالة على المتكلم والمخاطب ، وهي إحالة إلى خارج النص بشكل نمطي 9 ، تشير إلى المقام (المتكلم/المتكلمين ، المخاطب/المخاطبين) 10 .
وإذا تأملنا النص سنجده حافلاً بهذا النوع من الإحالة ، حيث تطالعنا الإحالة المقامية منذ السطر الشعري الأول ، الذي يقول :
مدينتنا تؤرق ليلَها نارٌ بلا لهبِ
إذ يمثل الضمير المتصل العائد على المتكلمين أولَ إحالة مقامية ، فعلى من يعود هذا الضمير ؟ وما هي المدينة التي يعنيها الشاعر ؟ هل هي مسقط رأسه (البصرة) ؟ أم هي عاصمة بلده (بغداد) ؟ أم هل هي مدينة أخرى يودّ الشاعر أن يجسّدَ همّها وينقل تجربتها ؟ .
ولو أنعمنا النظر في النصّ كلِّه لوجدنا أنّ الإحالة المقامية تلك تتردّدُ ستين مرةً في نصٍّ عدد أسطره لا يزيد عن (93) سطراً ، ممّا يضفي جوّاً من التساؤل حول أولئك المعنيين ، الذين أحال إليهم الشاعر بضمير المتكلمين ، فمن يكونون ؟
ولا بأس من التوقف عند نموذجٍ دالٍّ في هذا الحقل ، يقول السياب :
تؤوب إلهة الدم ، خبزُ بابلَ ، شمسُ آذارِ .
ونحن نهيم كالغرباء من دارٍ إلى دارِ
لنسألَ عن هداياها .
جياعُ نحن .. واأسفاه ! فارغتان كفّاها ،
وقاسيتان عيناها
وباردتان كالذهبِ .
وعلى الرغم من أنّ هذه الإحالة هي الوحيدة التي تتكرر في النص ، إلا أنها أسهمت إلى حدِّ بعيد في اتّسام النص بشيءٍ من الغموض ، حيث إن الخروج برؤية حول هذا النص ، يتوقف بصورة أساسية على فهم كنه المحال إليهم خارج النص .
هذا عن أدوار الكلام ، أمّا الأدوار الأخرى فيندرج ضمنها ضمائر الغيبة ، وهي على عكس الأولى تحيل قبلياً بشكلٍ نمطيّ ، فتقوم بربط أجزاء النص وتصل بين أقسامه ، فتلعب بذلك دوراً هامّاً في اتساق النص .
وحينما نرصد ضمائر الغيبة التي يشتمل عليها النص ، نجد أنها حاضرةٌ فيه سبعاً وسبعين مرّة ، وهي بذلك أسهمت إلى حدٍّ ما في تماسكه ، إلا أنها لم تؤدِّ إلى اتساقه ، ولم تعوّض الضعف الذي أحدثته الإحالة المقامية التي كانت حاضرة – كما قلنا – ستين مرة ، وممّا يعزز هذا أنّ الإحالة النصيّة نفسها أحدثت أحياناً جوّاً من الإرباك داخل النص ، ذلك لوجود مسافة بعيدة تفصلُ بين المحال والمحال إليه ، ومن النماذج الدالّة في هذا الحقل قوله :
وتبحثُ عنكِ أيدينا
لأنّ الخوف ملء قلوبنا ، ورياحَ آذارِ
تهزُّ مهودنا فنخاف . والأصوات تدعونا .
جياعٌ نحنُ مرتجفون في الظلمة
ونبحث عن يدٍ في الليل تُطعمنا ، تغطينا ،
نشدُّ عيوننا المتلفتات بزندها العاري
ونبحث عنك في الظلماء ، عن ثديين ، عن حُلمة
فيا من صدرها الأفق الكبيرُ وثديها الغيمة
سمعتِ نشيجنا ورأيتِ كيف نموتُ .. فاسقينا !
نموتُ ، وأنت – واأسفاه – قاسية بلا رحمة .
فالضمائر في : صدرها ، وثديها ، تُحيل قبلياً إلى متقدّمٍٍ هو (إلهة الدم) ، والمسافة بين المحال (الضمائر) ، والمحال إليه (إلهة الدم) ، تزيد عن ثمانٍ وخمسين سطراً شعرياً ، ممّا يتيح لنا التوقّع بأنّ هذا النص يعاني من ضعفٍ في اتّساقه ، وهذا يبقى محضَ افتراضٍ ربّما يصدق ، وينبغي ألا نستعجل الحكم قبل استيفاء الحديث عن أدوات الاتساق الأخرى .
أسماء الإشارة : وهي الوسيلة الثانية من وسائل الاتساق الإحالية ، ويذهب هاليداي ورقية حسن ، إلى أنّ هناك عدّة إمكانيات لتصنيفها ، إمّا وفق الظرفية ، الزمان (الآن ، غداً) والمكان (هنا ، هناك) ، أو وفق البعد (ذاك ، تلك) ، والقرب (هذا ، هذه) 11 .
وتقوم أسماء الإشارة – بوصفها أداة اتّساق – بالربط القبلي والبعدي ، وهي بذلك تساهم في اتّساق النص وتماسكه 12 .
وإذا بحثنا في حقل أسماء الإشارة سنجد أنها لم تكن حاضرةً في النص بشكلٍ ملحوظ ، حيثُ أنّها لم ترد سوى ثلاث مرات ، ممّا يجعلنا نجزم بأنها لم تسهم في اتّساق النص ، يقول السياب :
أنافذتان من ملكوت ذاك العالم الأسود :
هنالك حيث يحمل ، كلّ عامٍ ، جرحه الناري ،
جرحَ العالم الدوّار ، فاديه .
حيث يحيل اسما الإشارة (ذاك - ذلك) بعدياً وقبلياً - على التوالي – إلى العالم الأسود.
المقارنة : وهي النوع الثالث من أنواع الإحالة ، " ويقصدُ بها وجود عنصرين يقارن النصّ بينهما ، وتنقسم إلى المطابقة والتشابه ، وتتكئ على ألفاظٍ مثل وصف الشيء بأنّه يشبه شيئاً آخرَ أو يماثله أو يوازيه ، بعضها يقوم على المخالفة ؛ كأنْ تقول يُضادّ أو يعاكس ، أو أفضل أو أكبر أو أجمل " 13 ، " أمّا من منظور الاتساق فهي لا تختلف عن الضمائر وأسماء الإشارة في كونها نصيّة ، وبناءً عليه فهي تقوم مثل الأنواع المتقدّمة لا محالة بوظيفة اتّساقيّة " 14 ، ويخلو النصّ تماماً من هذا النوع من أنواع الإحالة .
* الاستبدال : والاستبدال عملية تتمّ داخل النص ، وتقوم على تعويض عنصر في النص بعنصرٍ آخر 15 ، " وعلاقة الاستبدال تمثّل شكلاً من العلاقات النصّية القبليّة ؛ لأنّ العنصر المتأخر يأتي بديلاً لعنصرٍ متقدّم ، ما يجعلها قادرةً على تحقيق الاتّساق في النص حين تربط بين عنصرين متباعدين " 16 ، ويخلو النصّ أيضاً من الاستدلال .
* الحذف : والحذف كعلاقة اتّساق لا يختلف عن الاستبدال إلا بكونه استبدالاً بالصفر ، أي أنّ علاقة الاستبدال تترك أثراً ، وأثرها هو وجود أحد عناصر الاستبدال ، بينما علاقة الحذف لا تترك أثراً 17 ، " مماّ يدفع المتلقي بالنهوض إلى مهمّة التقدير ، ممّا يحفّزُ مهارة التأويل التي يمكن أن نعدّها مهارة انسجامٍ أولاً " 18 .
ومن الأمثلة الدالّة على الحذف قول الشاعر :
ولكنْ خفقة الأقدام والأيدي
وكركرةً و " آهَ " صغيرةٍ قبضت بيمناها
على قمرٍ يرفرفُ كالفراشةِ ، أو على نجمة ..
على هبةٍ من الغيمة ،
على رعشات ماءٍ ، قطرةٌ همست بها نسمة .
* الوصل : يعدّ الوصل علاقة اتّساقٍ أساسية في النص ، وذلك لأنّه يعمل على تقوية الأسباب بين متواليات الجمل المشكلة للنص وجعلها متماسكةً 19 ، وأدواته متعدّدة منها: أو ، و ، أعني ، مثلاً ، نحو ، أم ، لكن ، لذا ، لهذا ، لأنّ 20 ، فالوصلُ يحدّد الطريقة التي تترابط بها الجملة السابقة مع الجملة اللاحقة بشكلٍ منظّم داخل النص ، وذلك من خلال الأدوات السابقة ، بحيث تُدرك متواليات الجمل كوحدة متماسكةٍ 21 .
وقد كان لأدوات الوصل حضورها في النص ، وساهمت إلى حدٍّ ما في إحداث شيءٍ من الترابط داخله ، وقد استخدم الشاعر ثماني أدوات من أدوات الوصل ، وهي :
• الواو …………. 55 مرة .
• لكن ………….. مرتين .
• لأنّ ………….. مرّة واحدة .
• أو ………….. ثلاث مرّات .
• ثمّ ………….. مرّتين .
• الفاء ………… خمس مرّات .
• حتّى ………… مرّة واحدة .
• أمْ …………… مرّة واحدة .
وإذا ما أحصينا عدد مرّات استخدام أدوات الوصل كلها داخل النص سنجد أنّه يزيد عن سبعين مرّة ، وبذا تكون قد أسهمت في إحداث شيءٍ من التماسك داخل النص ، لكن لا يسعنا القول إنّ النص متّسقٌ لأجل ذلك فقط ، وسنتوقف عند نموذجٍ في هذا الباب :
سيّدنا جفانا . آهِ يا قبره
أما في قاعك الطينيّ من جرّه ؟
أما فيها بقايا من دماء الربّ . أو بذره ؟
حدائقه الصغيرة أمسِ جعنا فافترسناها :
سرقنا من بيوت النملِ ، من أجرانها ، دُخناً وشوفاناً
وأوشاباً زرعناها
فوفّينا – وما وفّى لنا – نذره ! "
فقد استخدم الشاعر في هذه المقطوعة الشعرية ثلاث أدوات وصل ، (أو) وقد وردت مرّة واحدة ، و (الفاء) وقد تكرّرت مرّتين ، و (الواو) وقد تكرّرت ثلاث مرّات.
* الاتّساق المعجمي : ينقسم الاتساق المعجمي – كما يرى هاليداي وحسن – إلى نوعين: أ- التكرير ب- التضام 22 .
أمّا التكرير فهو شكلٌ من أشكال الاتّساق المعجمي يتطلب إعادة عنصر معجميّ ، أو ورود مرادف له أو شبه مرادف 23 ، وهو يمثّل أداةً واسعة الانتشار في النص ، تمثّلت في استخدام أساليب الاستفهام وأساليب النفي والتعجّب ، والجمل الاسمية والجمل الفعلية ، وقد كانت على النحو التالي :
• الاستفهام …………. 8
• النفي …………….. 15
• التعجّب ………….. 7
• الجمل الاسمية ……. 42
• الجمل الفعليّة …….. 94
انسجام الخطاب :
بعد استعراضنا لأدوات الاتساق في هذا النص ، نلاحظ أنّه يفتقر إلى الاتّساق التام، وقد نقصته عناصر كثيرة ، ولهذا سنستعين